3 عناصر قوة رغم العدوان والتحريض والانقسام رأي عمر نشابة الخميس 21 أيار 2026 وسط هذا الكمّ الهائل من الألم والانقسام، ي
3 عناصر قوة رغم العدوان والتحريض والانقسام
رأي
عمر نشابة
الخميس 21 أيار 2026
وسط هذا الكمّ الهائل من الألم والانقسام، يبدو الحديث عن أي جانب إيجابي في لبنان اليوم أمراً صعباً، وربما مستفزاً للبعض. فالمشهد اللبناني مُثقل بالدماء والدمار والتهجير والانهيار الاقتصادي، فيما يعيش اللبنانيون أكثر المراحل قسوة في تاريخهم الحديث. العدوان الإسرائيلي المتواصل على جنوب لبنان لا يقتصر على القصف والغارات، بل يمتدّ إلى قتل المدنيين وتدمير المنازل وجرف القرى والبلدات وتهجير السكان من أرضهم. وفي الداخل، يزداد الانقسام حول قضايا مصيرية مثل التفاوض مع العدو الإسرائيلي وسلاح المقاومة، وتعلو الخطابات التحريضية ضد الجنوبيين في بعض وسائل الإعلام والمنابر السياسية.
وفوق كل ذلك، لا تزال الأزمة الاقتصادية تخنق اللبنانيين منذ سنوات، فيما تبقى أموال المودعين مُحتجزة في المصارف، وتستمر معاناة الناس مع الغلاء المعيشي وانخفاض قيمة الرواتب وانهيار الخدمات الأساسية وفقدان الأمان الاجتماعي. وفي ظل هذا الواقع القاسي، يشعر البعض بالإحباط والخوف من المستقبل.
رغم هذا السواد الكثيف، لا تزال هناك بعض النقاط المضيئة وعناصر القوة التي تستحقّ التوقّف عندها. فهذه العناصر لا تلغي حجم المأساة، لكنها تكشف أن في المجتمع اللبناني مواطنين، رغم كل ما أصابهم، لم يفقدوا بالكامل قدرتهم على الصمود والتماسك والاستمرار.
أول هذه العناصر الإيجابية يتمثّل في صمود أهل الجنوب وتمسّكهم بأرضهم وكرامتهم رغم كل التضحيات. فالجنوب اللبناني يعيش يومياً تحت القصف والتهديد والدمار، ومع ذلك لا يزال أبناؤه يرفضون الاستسلام أو التخلّي عن أرضهم أو التراجع عن قناعاتهم. هناك قرى تعرّضت للتجريف والتدمير، وعائلات فقدت أبناءها ومنازلها ومصادر رزقها، لكنّ إرادة الصمود لا تزال حاضرة بقوة.
هذا الصمود لا يرتبط فقط بالخيار السياسي أو العسكري، بل يعكس أيضاً شعوراً عميقاً بالكرامة والانتماء إلى الأرض. فالشعوب التي تتمسّك بحقها في الدفاع عن نفسها وفي رفض الاحتلال، رغم كل المعاناة، تملك قدرة على النهوض والاستمرار.
وما يقدّمه الجنوبيون من تضحيات يومية يعكس إصراراً على عدم الاستسلام للضغوط، وعلى الحفاظ على الكرامة الوطنية والوفاء لدماء الشهداء مهما كان الثمن.
أمّا الجانب الإيجابي الثاني، فهو أن اللبنانيين، حتى الآن، نجحوا في تجنّب الانزلاق إلى صدامات داخلية واسعة، رغم التحريض والانقسام والتوتر. وهذا الأمر ليس بسيطاً أبداً إذا أخذنا في الاعتبار حجم الخطابات الحادّة التي تُبثّ يومياً عبر بعض وسائل الإعلام الأكثر تمويلاً وانتشاراً ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى محاولات بعض السياسيين استثمار الانقسام لتحقيق مكاسب سياسية أو فئوية. فلبنان يحمل في ذاكرته الجماعية تجربة الحرب الأهلية بكل ما فيها من قتل ودمار وكراهية وتهجير، ويبدو أن جزءاً كبيراً من اللبنانيين بات يدرك أن العودة إلى الاقتتال الداخلي ستكون كارثة وطنية جديدة لن ينجو منها أحد.
ورغم كل الاستفزازات والانقسامات، وبعض الحوادث التي تدل على انعدام التضامن، لا يزال هناك حد أدنى من الوعي العام لدى كثير من اللبنانيين بخطورة الانفجار الداخلي، وبأن أي حرب أهلية جديدة لن تخدم إلّا العدو الإسرائيلي وستؤدّي إلى تدمير ما تبقّى من مؤسسات الدولة والمجتمع. لذلك يمكن ملاحظة أن غالبية الناس تحاول، ولو بصعوبة، ضبط التوتر وعدم الانجرار إلى العنف الداخلي. وهذه القدرة على تجنّب الانفجار، وسط هذا الكمّ من الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية، تُعدّ بحدّ ذاتها نقطة قوة مهمة.
في موازاة ذلك، يظهر جانب إيجابي آخر يتمثّل في التضامن الإنساني والاجتماعي بين كثير من اللبنانيين. فرغم الانقسامات السياسية والطائفية الحادّة، وبعد تكرّر السلوك الطائفي والمذهبي والعنصري لبعض اللبنانيين، لا يزال كثير من الناس يرفضون التخلّي عن بعضهم في أوقات المحن.
يمكن رؤية هذا التضامن في بعض المبادرات الفردية والجماعية لمساعدة النازحين والمتضرّرين، وفي حملات التبرّع، وفي فتح البيوت لاستقبال العائلات التي فقدت منازلها، وفي جهود المتطوّعين والأطباء والممرّضين والصحافيين الذين يعملون في ظروف صعبة وخطرة لمساندة الناس ونقل معاناتهم.
وفي كثير من الأحيان، تكشف الأزمات الوجه الحقيقي للناس. رغم كل الانقسامات التي يعاني منها لبنان، لا يزال هناك شعور إنساني مشترك لدى بعض اللبنانيين يظهر بقوة في لحظات الألم والمعاناة. فما زال هناك لبنانيون من مختلف المناطق والطوائف والانتماءات السياسية يضعون خلافاتهم جانباً عندما يتعلّق الأمر بمساعدة إنسان فقد بيته أو عائلة نزحت بسبب القصف أو طفل يحتاج إلى علاج أو مأوى.
وهذا التضامن، مهما بدا محدوداً أحياناً، يؤكّد أن الروابط الإنسانية بين اللبنانيين لا تزال أقوى من كل محاولات التحريض والتفكيك.
لبنان اليوم يمرّ بمرحلة شديدة القسوة، وربما يشعر البعض بأن الأمل أصبح ضعيفاً.
لكن وسط الدمار والخسائر والانقسام، لا تزال هناك عناصر قوة حقيقية يمكن البناء عليها: صمود الناس في أرضهم، ورفض الحرب الأهلية والتضامن الإنساني بين المواطنين، والتمسّك بالكرامة والقدرة على الاستمرار رغم كل الظروف. وهذه العناصر قد لا تُنهي المأساة لكنها تؤكّد أن بعض المجتمع اللبناني رغم كل ما تعرّض له لم يفقد قدرته على الصمود والنهوض من جديد.
ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها